لحظات عشق خالدة

ثلاث لحظات عاشها ستة عشّاق في أمكنة وأزمنة مختلفة، أخبروني قصصهم فأحببت أن أضعها هنا..

 

اللحظة الأولى

المكان: ضاحية قدسيا، دمشق.

الزمان: نهار شباطي بارد جداً من العام 2013.

نسبة الأدرينالين مرتفعة في الدم. خوف من اعتقال قد يأتي في أي لحظة. لم تمض أيام معدودة على اجتيازه الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا بطريقة غير شريعة، باحثاً عن أمل في إنقاذ حبه. الجو بارد جداً ودرجة الحرارة حسب تقديرات المحليين (-10) أو أكثر. لا كهرباء ولا أي وسيلة من وسائل التدفئة. جسدان عاريان لا يفصلهما عن بعضهما شيء، عروق ملتصقة ببعضها والجلد يحتك بالجلد. يلتحفان بعضهما البعض ويشدان إلى نفسيهما غطاء يكاد ألا يغطيهما.

شفتها المرتجفة تلتصق بشفته، لا يشعران بما يدور حولهما، حتى درجة الحرارة المنخفضة لا تهمهما، فالحرارة المنبعثة من جسديهما كافية لتزيد من حرارة المكان كلّه.

نسي كلّ شيء وهو معها، وتذكر كلّ شي، فكر في كلّ شيء -الاعتقال المحتمل والاعتقال السابق، أمه، أصدقاؤه، حبيباته السابقات، القتل والحرب في سوريا- الثورة- أي لم يفكر في شيء. تناسى كل شيء.

كانت أصوات القصف المنطلقة من حاجز يتكئ على جدران بناء قريب يدك بلدة قدسيا القريبة ممتزجة بأصوات تأوهاتها وقبلاتهم تكسر صمت الأشياء المحيطة. حين استراحت مستلقية بجانبه، مقبلة إياه على خده قالت له بأنها تحبه، وكأنّهما لم يفترقا.

هجرته بعد أسبوع من تلك الحادثة. الآن يجلس في مكان دافئ في البعيد جداً، يتذكر اللحظة ويبتسم.

 

اللحظة الثانية

المكان: إحدى شوارع برلين.

الزمان: مساء حزيراني دافئ من العام 2013.

قررت الذهاب معه إلى ملعب كرة القدم لتشاهده يلعب مع أصدقائه الجدد. لم سبق له أن شعر بشعور كهذا مع فتاة التقاها منذ عدة أسابيع فقط. أنهى لعبته، كان يسترق النظر إليها كلّ حين وهي تجلس في زاوية الملعب، تقرأ أو تنظر إليه. هي لم يسبق لها أن رافقت شاباً إلى ملعب كرة القدم. خرجا بعد انتهاء المباراة، رفضا دعوة أحد الأصدقاء لشرب شيءٍ ما، وقررا المشي في شوارع برلين.

الطقس دافئ يشبه أجواء المدن المتوسطية في أيام الربيع، رائحة عطره الممتزجة برائحة عرقه لم تمنعها من الاقتراب منه وتقبيله كل حين. قررا أن يضيعا في مكان من المدينة لا يعرفاه. توقفا في أحد الشوارع بعد أن بلغت نشوة الحب ذروتها معهما. شدّها إليه فاستجابت بأن وضعت يدها خلف حقيبة ظهره الرياضية ممسكة بكنزته الزرقاء، تلك التي تشبه كنزة فريقه المفضل، مدت يدها الأخرى نحو خلفيته البيضاء من خلف شورته الأحمر القصير، اعتصرها في حضنه، جاعلاً من فستانها الواسع جناحان يطيران بهما.

تلامست شفاههما ولم تفترق إلا بعد دقائق طويلة افترضا بأنّها العمر كلّه، تلك اللحظة بدت وكأنّها قد خلقت خصيصاً لهما: شارع فارغ إلا منهما، سيارات مرصوفة على الجانبين، أشجار موردة على طول الشارع، صوت قطار الأنفاق الذي يمر كل دقيقتين بانتظام ونسمة هواء لطيفة تلامسهما.

هجرته بعد شهرين من تلك الحادثة. الآن يجلس في مكان دافئ في البعيد جداً، يتذكر اللحظة ويبتسم.

 

اللحظة الثالثة

المكان: كرسي في شارع جانبي في امستردام.

الزمان: ليلة رأس السنة 2013-2014

افترقا عن أصدقائهما، وقررا أن يمضيا ما تبقى من ساعات يحتفلان بقدوم السنة الجديدة وحيدين في شوارع هذه المدينة الغريبة لكنها مألوفة في ذات الوقت، كأنما قد عاشا هنا من قبل رغم أنّها المرة الثانية لهما او الثالثة على أبعد تقدير.

التقيا قبل عدة أيام في إجازة الميلاد التي قضياها عند صديقة مشتركة في هولندا، أحبا بعضهما، وقررا الارتباط رغم عيشيهما في قارتين بعيدتين عن بعضهما. “بس الحب ما بيعرف زمن” قال لها. “ولا مسافة” أجابت.

مشيا قليلاً وتناولا بعض الطعام في مطعم مصري منسي في تلك المدينة الضائعة. مشيا بمحاذاة النهر طويلاً ثم جلسا على كرسي مرمي أمام أحد المنازل. كانت قطرات المطر الغزير التي هطلت منذ قليل قد بللت المقعد لكن ذلك لم يمنعهما عن الجلوس. كمشهد سينمائي يمكننا تخيل المشهد:

عاشقان جالسان على مقعد خشبي على ضفة نهر وبيوت ذات قرميد أحمر خلفهما، يحتسان مشروباً من علبة واحدة، وفي الخلفية أصوات المفرقعات والألعاب النارية التي لا تهدأ، كل بضع دقائق يقترب منهم أحد سكارى المدينة ليلقي السلام أو ليرقص معهما قليلاً ثم يرحل ويدعهما بسلام، رذاذ مطر خفيف، يقبلان بعضهما كل حين، يتحدثان بكل شيء أي لا شيء، ويسكران بحب بعضهما البعض.

لم تهجره بعد هذه الحادثة حتى الآن. الآن يجلس في مكان دافئ في البعيد جداً، قلبه ينبض عشقاً، يردد لنفسه اسمها وكأنّه ترنيمة إلهية ثم يلحقها بكلمة “بحبك”، ويبتسم.

 

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد