انفصامات اليأس والأمل لدى جيل الغياب والثورة

 (1)

لأنّ اليأس خيانة، صدحت حناجر هؤلاء الشبان في مخيم اليرموك المحاصر بأصواتهم التي عانقت السماء فتغلبت على صوت الموت من الجوع. لأنّ اليأس خيانة كان صوتهم أعلى من صوت الموت. وهل للموت صوت؟

لأنّ اليأس خيانة، كانت كفرنبل -صغيرة الجغرافيا واسعة الفكرة- موجودة على الخارطة، قريبةً من حلمي. تراها تهمس في اذني: لقد شبعنا الكرامة.

لأنّ اليأس خيانة، بقيّ الثوار مستيقظين متربصين على كلّ الجبهات، خائفين من تقدم العدو كي لا يقتل حلمهم بالحرية. لأنّ اليأس خيانة كان صوت رصاصهم أعلى من صوت رصاص العدو.

لأنّ اليأس خيانة، خرج الأحرار في مظاهرات ووزعوا المنشورات ورسموا على الجدران عباراتٍ تخيف الديكتاتوريات الجديدة. لأنّ اليأس خيانة، لم يستسلموا.

لأنّ اليأس خيانة، استمر بالكتابة، آملاً بأن يكون لكلماتي صوتٌ يقض مضجع الظالم، ويريح الحرّ عندما يمر بعينيه عليها.

 (2)

لأنّ الأمل خيانة حين يكون فائضاً عن الحاجة، دافعاً إلى الموت من غير داعٍ. لأن الأمل خيانة حين نتمسك به دون وجه حق، كأن يكون لنا أملٌ في تعقل الأسد ورحيله من تلقاء نفسه، كأن نثق بقرارات دوليّة لمصلحة الشعب السوري، كأن نراهن على توقف الاسرائيلي عن قتل الفلسطيني.

لأنّ الأمل خيانة، حين كان أملنا بثورة مدنيّة كاملة، فتعسكرت ثورتنا وحطمتنا قبل أن نتحطم. رغم ذلك استمرينا في الثورة على الظلم والقهر فدمرنا النظام بصواريخه.

لأنّ الأمل خيانة، حين كان لنا أمل في إخوة الوطن يقفون في صف الحق لا الباطل، في صف الضحيّة لا الجلاد، حين كان أملنا بأناسٍ يضعون البسطار العسكري على رؤوسهم ويمشون، حين أملنا ببيوت تحتضنها كما احتضنت صور الجلّاد على جدرانها.

لأنّ الأمل خيانة، عدت إلى الواقع لأكتب ما أشعر به لا ما آمل به، فالأملُ خيانة حين يكون فائضاً عن الحاجة.

(3)

بالصدفة وُلدت لأم عربية وأب كوردي، لأم شيعيّة وأب سني. بالصدفة أطلقوا عليّ اسميّ الكوردي صعب اللفظ، وبالصدفة كانت أمي عراقيّة الأصل ووالدي سوري الأصل والمنشأ.

بالصدفة وُلدت في دمشق، ولقرار من والديّ انتقلنا للسكن في القامشلي. لسبب وجود دكتاتور وحكم إعدام على أمي لم أرى العراق، فاخترت أن أكون سورياً إذ لا يربطني بالعراق إلا اسم أمي.

بقرار لا أعلم سببه عدنا إلى دمشق. لعلاقة بين أمي ومديرة المدرسة اختاروا مكان تعليمي الابتدائي، وبالصدفة اختاروا مدرستي الإعدادية والثانوية. بالصدفة دخلت إلى عالم الجمعيّات متطوعاً، بعد أن تركت لعبة كرة السلة ولعب الغيتار، وبالصدفة اخترت طريقي في الحياة.

درست في جامعتي بالصدفة، قراري الصادق والذي لم يخرج بالصدفة كان اختياري لعملي في الصحافة وصنع الأفلام، لكن بالصدفة قابلت أناساً فتحوا أمامي الطرقات التي تعلمني أصول المهنة.

بالصدفة ابتدأت الثورة، وبالصدفة فعلت ما فعلت، وبالصدفة هربت وبالصدفة عملت وبالصدفة تشردت وبالصدفة زرت ما زرت من البلدان، وبالصدفة أعيشُ أنا الآن رغم كل الحزن.

لكنها ليست صدفة أن أحزن على البراميل المتساقطة على داريا وحلب، وليست صدفة أن أجوع “رغم شبعي” مع جوع المحاصرين في حمص وفي الغوطة الشرقيّة، ليست صدفة أن أتألم لألم فارس كفرنبل “رائد فارس”، ليست صدفة أن أتجرد من كل الانتماءات الضيقة العرقيّة والدينيّة، ليست صدفة إنتمائي إلى إنسانيّة قد لا تسعني.

صدفة ولدت وصدفة سأموت، لكن لن أحيا بالصدفة بعد الآن، فالكرامة ليست صدفة والحريّة ليست صدفة.

(4)

كيف ستكون رحتلك وأنت تعرفُ نهايتها؟

ستبقى عاجزاً لا تعرف بما تفكر رغم وضوح الصورة أمام عينيك. ففي منفاك لا شيء لك إلا ليلٌ طويل وقيود.

في المنفى لن تجداً أذناً تتلقى كلماتك، فلا شيء هنا سوى الفراغ غير المحدود. هنا لن يكون لك حكايات جديدة كلُّ حين. قصة واحدة تتكرر في هذا المكان. شوقٌ ورسائل لأمك لا تتلقاها إلا في ما ندر.

في المنفى تملُّ من أوجه النساء الأجنبيات، وتشتاق لوجه حبيبتك الذي لن تراه إلا عندما تخلد إلى النوم. ما أكثر النوم في هذه البلاد!!

في المنفى تبحث عن حائط تخطُ عليّه اسم حبيبتك، فلا تجدُ فراغاً يتسع لك. تبحث عن شارع يستقبل جنونك. تتلمس الجدران وتصيح، لكنك لن تشعر بتلك الحنيّة التي فقدتها عندما بكتْ أمك في المرة الأخيرة التي رأيتها فيها.

في المنفى تغني بصوت عالٍ، لا أحد يطلب منك السكوت، لكنك تملّ من نفسك فتتوقف عن الغناء وتبكي.

في المنفى، لا أحد في المنفى إلاك أنت.

(5)

الغياب. لم نختره بأنفسنا بل اختارنا هو ليدهن جدران الزنزانة بأسمائنا، أو لنقل ليرمم جراح الزمن الذي يضيع منّا.

في الغياب لنا أغنية، نرددها بين الحين والحين، نداوي بها آثاره، آثار الغياب، وكم صعبٌ زوال تلك الأشياء، لا لشيء، بل لأنّه نحن، ماضينا وما يتنظرنا.

في الغياب لنا قصة، نحكيها ﻷطفالنا، إن عشنا للقائهم، أو إن هم أسرعوا لنجدة ما تبقى من مستقبلنا. فصة عذاب وألم، نرددها عليهم قبل أن يناموا حتى يملوا هم من تكرارها على مسمامعهم.

في الغياب لنا رسالة، نبعثها لحبيباتنا، قد لا تصل إن كنت مختفياً في الظلام، وقد تصل مشفرة برموز لا يعملها سواكما إن كنت منفياً. تقرأ حبيبتك حتى تتعب من البكاء وتنام.

في الغياب لنا أسطورة كاذبة، فكم ستسمع بأنّك بطلٌ، وكم سيمدحوك، لكنهم لن يمسّوا يوماً ذاك الألم والجوع الذي عشته. ستروي لهم تفاصيل لن يعرفوها، ولن يعرفوها، فهم لم يعرفوا الغياب.

في الغياب لنا قصيدة، نكتبها على جدارٍ ما، قد يكون حائط السجن، وقد  يكون جداراً مرمياً تحت جسر موجودٍ فوق نهر يمتد إلى البعيد. نكتب ونخط عسى أن يتذكرنا أحد العشاق في ليلة ما ويقول: يا له من أنا!

في الغياب لنا معجبين ومعجبات، لكن عندما نعود لا نراهم غالباً، يختفون، لا أدري لماذا؟ ربما لأنّ الخرافيّ لا يحق له أن يكون موجوداً على الأرض أمامنا، لا يمكن ان يكون بطلنا مجسداً بشكل ما، علينا أن نرسم له شكلاً كأشكال الملائكة لا البشر.

في الغياب لنا… ليس لنا إلا نحن.

في الغياب نحن.

(6)

“للكوردي ملامحٌ
كأنّها تجلياتُ الوحي…
صوفيةٌ كلماته، وإن كفر
خضراءٌ عمامتهُ، إن سَكِر

تجاعيد وجهه، كالأرضِ
وإن سجدَ للسماء دون الأرضِ.

هكذا….
يتجلى راقصُ التصوفِ ع الريح”

عدنان أحمد”

أنا الكوردي لا شيء يحضنني إلا سماءٌ وتجليات أرواحٍ تصعد إلى الإله، لي ملامح لا يعرفها إلا الأنبياء. رقصي صلاة وغنائي عبادة. أرتل الكلمات ترتيلاً فيسمعني الوحي ويقول: “يا لك من وحي مُنزل”.

“ليس للكردي إلا الريح”، لا وطن له إلا في الجبال العالية، سقاها من دمائه طوال القرون الماضيّة.. والآتيّة. لا نجيد نحن الخبث، طيبون بطبعنا ومحبون “كما الآخرين”، عاشقون بالفطرة، متآخون كما جسدٍ واحد. نقترب من الغريب لنكون أخوة، فيرسلنا إلى ناره، ونبقى غريبين عنه. نُتهم بالتطرف، لكن حقنا في الحياة أكبر من الاتهام.

ما ذنبي إن خُلقت كُوردياً مصادفةً، وخُلقتَ أنتَ من ملّة أُخرى، لا ينبغي لي كي أعيش معك أن أنسى مسقط رأسي وثقافتي وتراثي وتاريخي. لي حقٌ في العيش أنا الكوردي.

 (7)

نحنُ جيلٌ استثنانا التاريخُ فصنعناه. جيل نشأ على هزائم الجيل الذي سبقه. نحن جيل آواخر الثمانيات وأوائل التسعينات “من هم في العشرينيات الآن”، جيل الكذبات المصطنعة.

نحن جيلٌ خلقنا على أوهام ألوهيّة حافظ الأسد، والدين الذي لم نفقه منه شيئاً، نشأنا على كذب النضالات وأحلام الثورات السابقة، نشأنا على حلم بيروت عاصمة النضال والمثقفين وعلى أغنيات مارسيل خليفة وزياد الرحباني وسميح شقير،  كبرنا ونحن نحلم بأن نكون فدائيين فلسطينيين نحارب الاحتلال، أو أن نكون عنصراً يحارب مع تشي غيفارا.

كبرنا ونحن نمّجد الماضي دون أن يكون لنا حاضرٌ أو مستقبل. إلى أن اكتشفنا في وقت متأخر بأنّ كلّ ما قيل لنا كذبٌ وأنّ معظم المناضلين خانوا نضالاتهم “زياد الرحباني ليس آخرهم” وبأن من مات من أجل قضية، مات؛ لأن من أكمل المسيرة باع القضية. اكتشفنا بأنّ السياسة كذب وبأن حافظ الأسد مات لكنه ما زال يحكم من قبره.

نحن جيلٌ اكتشف بأن التاريخ الذي لقنونا إياه كذب. لذا خلقنا تاريخنا، وصنعنا ثوراتنا.

نحن جيلٌ يصنع التاريخ الآن، لا في الأمس ولا غداً.

 (8)

بعض الفقرات الواردة في هذا النص كتبت خلال الأعوام 2011،2012،2013 خلال الثورة السوريّة. وبعض الفقرات كتبت حديثاً.

اسمتديت بعض الأفكار مما كتبه الناشطان المصريان علاء عبد الفتاح ودومة في نصهما الذي كتباه  في سجنهما في طرة، مصر.

هذا النص موجه إلى الجمهور بمختلف اتجاهاته، لكنه نص ذاتي من بدايته إلى نهايته.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

تعليق واحد على: انفصامات اليأس والأمل لدى جيل الغياب والثورة

  1. Yasmeen Badwan كتب:

    يااااا الهي… <3 …

اترك رد