لا وجه لي

فليخبرهم أحدٌ ما بأن لا يتركوا أثراً بعدهم، فليأتوا على كلّ شي. ليقتلعوا الأشجار من أماكنها وليهدموا البيوت وليقتلوا الحيوانات. بلغوهم أن لا يتركوا طفلة تنجو من مديتهم، فليذبحوها. فليقتلوا العائلة كاملة ولا يتركوا منها نفراً يموت كلّ يوم في ذكرى البقية ممن رحلوا.

عمري الآن أربع وعشرون تفاحة ومئات المجازر المتفتحة في دمي كلّ حين. عمري الآن آلاف القتلى يتجولون في أحشائي وآلاف البنادق التي تقتل الناس في كل نقطة من جسدي. عمري الآن ملايين الأرواح تسكن في غرفتي وتبحث لنفسها عن كلام تحدثني به، لكنّه يبقى في الهواء كلاماً بلا صدى. عمري الآن ما تفتح من جراحٍ في جسدي وروحي، عمري الآن.. وما يهم كم عمري إن كان القاتل لا يهتم؟ “فلا تسألوا القتلة عن رائحة الدم”* 

جسدي جسرٌ للعبور إلى مجزرة جديدة، ودمي هو سائل الحياة، من يسيلُ ليحييّ القاتل الضاحك بأسنانه البيضاء التي يواظب على تنظيفها كل ما أنهى مجزرة. لي وجهٌ كالأرض كثير العمر والملامح مرّ عليها ألف ألف قتيل وبعض عشرات من القتلة مجهولي الوجوه. قتلى يغسلون أيديهم قبل الطعام ويقبلون زوجاتهم ويلعبون مع أطفالهم بعد أن ينهوا المجزرة.

لي وجه طفلٍ قتل منذ قليل حين هبط ذلك الشيء من السماء ليفجر شارعه كلّه. لي وجه شيخ ضرير تعثر بمشيته حين وقعت القذيفة بالقرب منه. لي وجه امرأة تركض ماسكة بيد طفلها وهي تعبر شارعاً مسرعة خوفاً من أن تكون سرعة رصاصة القناص أكبر. لي وجه أمي وهي تبكي فراق أولادها. لي وجه جدتي وهي تصلي داعية ربّها أن يستجيب وأن لا يطيل في رفع الظلم عن بلادها. لي وجوههم كلّها لكن لا وجه لي.

لا وجه لي.. لا وجه لي.. لا وجه لي

* من قصيدة “أقمطة ونياشين وولاّعات للرجال السعداء” للشاعر الراحل “رياض الصالح الحسين”

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد