صورة

حذاءٌ ودراجة وقفل ملقى على الأرض، الكتاب بجانبه، كان قد قرأ منه ما يقارب الخمسين صفحة، استند مرة أخرى إلى الشجرة وأخذ يراقب النهر الممتد إلى البعيد والعاشقان اللذان يقبلان بعضهما بعضاً على بعد أمتار قليلة منه. كان يراقب قارباً مرّ بجانبه، أطال النظر إليّه وهو يبتعد عنه حتى وصلت نظراته إلى القطار الذي عبر سريعاً في آخر نقطة وصلها بعينيه.

شرب قليلاً من البيرة التي وضعها بحانبه مستمعاً إلى أصوات النساء كبيرات السن اللاتي مررن عن يمينه وهنّ يمارسنَ رياضة الركض في هذ الحديقة منذ سنوات كما بدا له.

كان الغراب ينعق والشمسُ آيلةٌ للغروب حين نظر إلى العاشقين مرة أخرى، كانت نظراته في هذه اللحظة تحمل الكثير من معاني الغيرة، تذكر حبيبته التي سافرت قبل أيام إلى ما وراء المحيط على أمل أن يلتقوا مجدداً بعد شهور وعسى ألا تكون شهوراً طويلة.

أخذ دفتره الصغير ليدوّن بعضاً من جمال المكان الذي يجلس فيه، الشجر الوارف ومياه النهر المتلونة بأخضر الشجر، السماء الصافية والمارة بجانبه والراكبين السفن في الجانب الآخر، في تلك اللحظة رفع نظره فرأى رجلاً وامرأة معهما طفل صغير، كانا يراقبانه، ابتسم لهم فبادلوه ابتسامة الاستغراب هذه، ظنّوا أنّه يرسم أو ربما تفاجؤوا بأنّه يكتب من اليمين إلى اليسار لا ممنا لغتهم التي تبدأ يساراً، أو ربما كانوا يراقبون شكله مع كتابه ودفتره ودراجته حذاءه وقدميه الحافيتين وشعره المجعد الكثيف الطويل والذي مع ذقنه يذكّر بمشهد غابة شعثاء لم تطأها قدم إنسان قبلاً.

مرّ بجانبه كلب، لم يحرك ساكناً، كان قد تجاوز خوفه من الكلاب، في الحقيقة لم يكن خوفاً، يمكننا القول بأنّه لم يكن يملك أيّ تجربة معهم. لا يدري لماذا قفزت إلى ذهنه مشاهد الدمار القادمة من بلده الأم، ربما بسبب الكتاب الذي أغلقه قبل قليل، أو ربما لأنّه لا يستطيع النسيان فتتقافز المشاهد إليّه بين فينة وأُخرى.

نظر حوله من جديد، قال لنفسه: كم أنا متعب!!!!

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد