في رثاء كسرى

كنت في الرابعة عشرة في تلك الزيارة إلى مدينة الشمال الحزينة، القامشلي. كنت كل عام تقريباً أذهب إلى هناك منذ أن عدنا منها إلى العاصمة دمشق. أذكر يومها أنّني التقيت بـكِسرى كثيراً، كان يكبرني بعدد قليل من الأعوام. كانت تلك السيجارة التي قدمها لي سيجارتي الثانية بعد أولى دختها قبلها بسنتين، أذكر أنّها كانت من نوع “سيدرز” كان يدخن سراً كما كلنا. من حينها لم أترك التدخين إلا لفترات قصيرة.

كسرى، لم أره منذ أربعة أعوام ونصف، آخر مرة التقينا في حفل زفاف عمي في القامشلي صيف 2010، سمعت أنّه تزوج وأنّه أصبح أباً.. سمعت أنّه مقاتل في صفوف قوات الحماية الكردية في القامشلي وأنّه يقود مجموعة، وبأنّه مقاتل كفؤ لا يهاب الموت، كما سمعت في صباح هذا اليوم بأنّه رحل بطلقة في رأسه.

لا أعلم ماذا علي أن أفعل، لا أعرف المشاعر المختلطة التي تراودني، أريد أن أكتب شيئاً في مدونتي فأحس بها دفتراً لرثاء الأموات.. أتذكر كسرى في القامشلي في دمشق حين سكن في بيتنا، مغامراته في العاصمة، مهنته الخياطة.. أتذكر سوق القامشلي ومكان عمله القديم، أتذكر المزة 86 مكان عمله في دمشق، أتذكر حرستا حين رحنا سوية إلى هناك نبحث له عن عمل في إحدى محال الخياطين، أتذكر ركن الدين، حارتنا، بيتنا، أتذكر جوان وسيامند وكسرى وبشار وأنا وجلساتنا وضحكاتنا.

جوان وسيامند وكسرى وبشار وأنا.. جوان لاجئ مع طفله وزوجته وأمه في تركيا، بشار لاجئ في باريس مع ابنته حديثة الولادة وزوجته، سيامند مقاتل في بلدة تل تمر يدافع عن بيته كلّما هبّ الإسلاميون لاقتحامها، أنا وحيد في برلين، وكسرى رحل، وضحكاتنا ماتت منذ أربعة سنوات.

أذكر كسرى بكل التفاصيل الآن، لا أعلم لماذا.. ربما هو الرحيل يحفّز الذاكرة. لا أعلم.. لا أعلم

كسرى يا صديقي.. لك بقية من رحمة في سماء ما.. على أملِ لقاءٍ قريب..

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد