كيس طحين

قبل البدء بالكلام عليّ الاعتراف بأنّ عنوان هذا النص لا يرتبط بالنص بأيّ شكل من الأشكال ولكن لصعوبة إيجاد عنوان لما ستقرأه الآن وضعت أول كلمة خطرت لي. لا بأس في ذلك إذ أنّه وفي وسط كلّ هذا الجنون لن يغير عنوان مقال، لا أعلم إن كان سيُنشر أم لا، شيئاً.

بعد أن انتهيت من معضلة التفكير بإسمٍ للنص بدأت مشكلة إيجاد طريقة للدخول في الموضوع الذي أريد الخوض فيه، أي أن أكتب مقدمة تقليدية ومن ثم أضع أفكاري على الورقة ومن ثمّ أنهي المقال وأنا أمتع نظري بما “أبدعت”. يا للسخف. لا بأس في ذلك إذ أنّه وفي وسط كلّ هذا الجنون لن تغير المقدمة، إن قرأها أحدٌ ما، شيئاً يذكر.

الآن يتوجب عليّ أن أرتب أفكاري لأوصل ما أريد للقارئ، تضحكني كلمة قارئ لا أعلم لماذا، رغم أنّنا شعوب تقرأ كثيراً والدليل على ذلك أنّ أهم الكتّاب يطبعون ألف نسخة فقط من كتابهم ورغم ذلك تبقى النسخ مكدسة في المكتبات إلا ما رحم ربي. لا اعلم لماذا أتكلم عن هذه الأمور وأشتت أفكاري، هي العادة في أن تتحدث في كلّ شيء حين لا تريد التحدث في شيء. لكن لا بأس في ذلك إذ أنّه وفي وسط كلّ هذا الجنون لن يغير شيءٌ شيئاً.

ربما هو ضياعٌ في كلّ شيء، في الانتماء، في الوجود، في الحياة، أو بشكل أقل في تفاصيل الحياة اليومية، العمل، العائلة، الحبيبة..الخ هو الضياع في كلّ شيء. أظنّ بأنّ دولة الخلافة هي السبب، تباً لكَ يا خليفة المؤمنين، تباً لك أيها البغدادي “طلباً للعلم وسكناً”. على فكرة ما عم أمزح، البغدادي هو السبب. كيف؟ سأقول لك كيف رغم أنّه وفي وسط كلّ هذا الجنون فإن ما سأقوله، إن كنت تسمع، لن يغير شيئاً.

البغدادي أعلن دولة الخلافة في أجزاء من سوريا والعراق، والنظام السوري يسيطر على مناطق أخرى من سوريا، والنظام العراقي يسيطر على مناطق أخرى في العراق كما أنّ مسعود برزاني قد دعا إلى استفتاء شعبي على استقلال كوردستان العراق، وفي ذات الوقت فإن كورد سوريا يذهبون في هذا الاتجاه. بعبارة أخرى فإن هذان البلدان قد تحولا إلى بلدان عدة. فيما يخصني فأنا نصف عربي عراقي شيعي من ناحية أمي، ونصف كردي سوري سني من طرف أبي. لا أعرف إلى أيّ دولة من الدول الجديدة أنتمي. لكن لأنني عشت وترعرعت (حلوة هي ترعرعت ها) في بيئة كوردية فإن حلم الدولة الكوردية يعيش في وجدان كلّ كوردي مهما كبر أو صغر لذا فعلي أن أفرح بأنّ الدولة الكوردية قادمة وأنا حيّ أراها تسمو أمام عينيّ. يالهذه اللحظة التاريخيّة. عليّ إذن أن أشعر بالانتماء إلى وطني “الجديد”، لكنني وللأسف لم أشعر بشيء بعد. لا لست أسخر ما عاذ الله لكنني أخبرك عن ضياع الانتماء الذي أعيشه. بالطبع انتمائي لا يهم في وسط كلّ هذا الجنون، أعلم ذلك.

ماذا عن دمشق؟ إنّها الشام، جلّق، الفيحاء، مروحتي وكنز أحلامي، ماذا عنها؟ تلك المدينة الوحيدة التي شعرت بالانتماء إليها يوماً. في أي دولة أو مملكة أو دويلة ستبقى وتحت حكم من؟ هل أستطيع أن أحتضن حبيبتي هناك بعد أن أسكر أم أنّ هيئةً شرعيةً ستمنعني عن ذلك؟ هل أستطيع أن أكتب هناك ما أشاء وأن أشتم من أشاء وأرفض ما شاء دون أن تستضيفني إحدى فروع الأمن وتشربني فنجان قهوة؟ هل أستطيع أن أصنع فيلماً باللغة التي أريد دون أن أسمع همساً هنا وهناك عن نسياني لقوميتي وأبناء جلدتي؟ هل أستطيع أن أكمل هذا المقال دون أن تقول لي بأنّنا الآن نعيش لحظة تاريخيّة وأنّ أسئلتك لا تهم وسط كل هذا الجنون؟

قلت لك في بداية هذا النص بأنّني لا أعرف ماذا أكتب ولمن؟ ها قد طلع الصبح وبدأت فيروز بالغناء ونصف الفكرة التي كانت في رأسي قد حلقت عالياً في البعيد وبدأتُ أسمع صوت الصدى يخرج من دماغي الفارغة النتنة. نصيحة أخيرة عزيزي الذي وصلت إلى نهاية هذا النص، احفظ عقلك في مكان بارد وخذ زجاجة من الجعة (يعني بيرة حبيبي) واتصل بحبيبتك وقل لها كم تحبها وخذها واذهب معها لتعيش جنوناً جديداً ربما في كوكب جديد، إذ أنّ عقلكُ عزيزي القارئ لن ينفعك وسط هذا الجنون. صدقني ما بتخسر.

 

نشرت سابقاً في موقع راديو روزنة
هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد