كيف يصبح الأنبياءُ أنبياءً؟ وكيف خلقوا الله لنا؟

كنّا مجموعة من البشر نعيش في مكان ما على كوكب ما ندعوه الأرض ويمتد فوقنا شيءٌ لونه أزرق كنّا نسميه السماء. وكان لنا عادة جديدة هي تسميّة الأشياء التي لا نعرفها بأسماء جديدة، كالغيوم والنجوم والشمس والقمر، لا نعرف معانٍ لهذه الكلمات، لكن بعد أن استقر بنا المطاف هنا وأصبح كلّ منا يحصل على طعام يكفيه هو والبشر الذين يحميهم، أصبحنا ندعوهم عائلة، التمس الكثير منّا في داخله حاجة إلى شيءٍ ما. في البدء لم نفهم ما هو هذا الشيء، لكن تساؤلاتنا كانت تكبر: من أين أتينا؟ من خلق كلّ هذا المكان الكبير الذي لا ينتهي؟ ما الذي يدور في السماء؟…. الخ من هذه الأسئلة.

قيل لنا بأنّ مجموعة بشريّة تسكن بالقرب منّا بدأت بعبادة هذا الشيء الأصفر الكبير في السماء والذي سميناه الشمس، وقيل بٌأنّ آخرين بدؤوا بعبادة الشي الأبيض الشاحب الذي يظهر أحياناً في الظلام والذي أسميناه قمرًا، وقيل أنّ مجموعات أخرى عبدت أشياء أخرى لأنّها امتلكت نفس الآسئلة التي نحملها في صدورنا. كانوا بحاجة إلى قوة خفية يؤمنون بها كيلا تبقى أسئلتهم معلقة في الهواء. هكذا يعرفون إن شيئًا ما أقوى منهم، لا يستطيعون التحكم به، يدير غيبياتهم.

لمّا كنت أنا بلا عائلة، بعد أن مات من أنجباني، فقد كنت كثير التنقل والسفر وكنت أقوم بفعل سُمي تجارة. أقوم بنقل البضائع بين المجموعات البشريّة المختلفة، أقايض هذه بتلك. وكنت كثيرًا ما أسمع الأحاديث الغريبة التي تبحث عن سر الوجود. حينها فهمت حاجة البشر إلى شيء ما يعلقون عليه آمالهم وفشلهم. كنت كثير الصمت خلال هذه الأحاديث، كان صمتي وقوريًّا، وكان الناس يكنون لي الاحترام، فهم لم يعتادوا على تاجر صموت مثلي. حينها لم أكن أتناول هذا المشروب المذهب للعقل ولا تلك النبتة الفطرية التي تٌخرج الروح من الجسم أمام أبناء جنسي.

ذات يوم كنت في مدينتي، وقد يكون هذا قبل خمسة آلاف سنة حسب تقاويم هذه الأيام، أسامر أصحابي المقربين، كان الشراب الأحمر كثيرًا والنبتة الفطرية تفعل فعلها في جسمي. حينها نطقت للمرة الأولى بآرائي المتعلقة بالوجود. كان عقلي يتسع مثل بحر لا نهاية له، فسّرت لهم كلّ شيء وأجبت عن كلّ اسئلتهم.

أصبحت كلماتي متداولة بين البشر المختلفين بعد أن تمّ تناقل الكلام شفويًا.

حينها كنت مصابًا بمرض عُرف، في القرن العشرين بعد ميلاد أحد الذين قلدوا طريقتي، بجنون العظمة. لكن هذا لم يمنع الناس من حولي من نقل أحاديثي وتصديقها. لكن أحسب أنّني كنت أذكى ممن حولي وعرفت أنّ الشك سيزور قلوبهم، فأشعت بينهم بأنّ الذي أرسلني هو إله قوي قادر على كلّ شيء، خالق لكلّ شيء، عارف بظواهر الأمور وبواطنها، رحيم مع من يصدق كلامي وينزل شديد العقاب مع من لا يفعل.

من أجل هذا كان لا بدّ لي من خلق بعض الأساطير، كالجنة والنار وحقيقة وجودنا وكيف خلق الله، الذي اخترعته، هذا المكان وكلّ الأمكنة وكيف خلق هذا الزمان وكلّ الأزمنة، وكيف خلقنا على شكله. كان لا بدّ لي من اتباع أسلوب الترهيب أحيانًا والترغيب في تارة أخرى، فضلًا عن استغلال حاجة البشر لأجوبة كثيرة وقصور عقلهم وعدم معرفتهم الكافيّة.

بعد أن بدأت أعداد الناس من حولي، أتباعي، تزداد، تزايد لي الإحساس بحب السلطة والتحكم بعقول وقلوب البشر. إنّ هذه متعة ما بعدها متعة وخاصة لأمثالي، مصابو جنون العظمة.

أعجبتني اللعبة وأردت توسيع نطاق سلطتي، فقررت كتابة ما أقول. قسمت فعل الكتابة إلى قسمين وأسندت هذه المهمة إلى مجوعتين من الأشخاص ممن أثق بهم، قسم يكتب أفعالي وأقوالي خلال حياتي اليومية وهذا ما أترك للناس من بعدي كي يقلدوا الأفعال التي أقوم بها. وقسم آخر يكتب ما أقول تحت تأثير الشراب والنبات الفطري فيكون هذا قول الله وتعاليمه المرسلة للبشر ويكتب في كتب تحفظ للأجيال اللاحقة. وهكذا أضمن سيطرتي على كثير من البشر لسنوات طويلة بعد موتي عن طريق كتابي المقدس.

الآن وقد عدت إلى هذه الأرض بعد أكثر من خمسة ألاف سنة، رغم تطور العلوم وتطور عقل البشر إلا أنّني وجدت أن ما زرعته منذ آلاف السنين ما زال متبعًا، وإن بعض الأذكياء قد عرفوا اللعبة وفعلوا مثلما فعلت وأسّسوا أديان جديدة محت ديانتي، لكن لا بأس فما يهمّ هو بقاء الفعل بغضّ النظر عن الأسماء. لكن ما أزعجني هو أحد أذكى الأذكياء الذي قال: لا نبيُ من بعدي. لكن هذا أيضًا لا يهم، فنحن قلّة من الأذكياء المصابون بجنون العظمة ما زلنا نسيطر على هذا الكوكب منذ ألاف السنين، وما زال البشر أغبياء.

سأعود إلى قبري الآن، وأنام مبتسمًا من جديد.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف غير مصنف. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك رد